التخطيط عملية مهمة في كلّ شيء يُراد له النجاح ، وتبرز أهميته في توقعاته للمستقبل وما قد يحمله من مفاجآت وتقلبات ولقد تعرضت المملكة العربية السعودية لأزمة كانت بمثابة الامتحان والاختبار للتخطيط في بلادنا الغالية .
ألا وهي أزمة الخليج أو ما عُرفت بعملية عاصفة الصحراء (2 أغسطس 1990 إلى 28 فبراير 1991)، فكان لها الكثير من الانعكاسات على مجال التخطيط في المملكة ، الشيء الكثير
وفي هذه الإشارة أوضح بعض من جوانب القصور التي كشفت عنها الأزمة في ضوء العوامل :
التربوي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي
وما يوحي به ذلك القصور من تخطيط استراتيجي للمستقبل .
وكان على النحو التالي:
1 - الجانب التربوي :
القصور الذي كشفت عنه الأزمة :
* غياب منهجية التخطيط الاستراتيجي وربط التربية بالتنمية الشاملة .
* الافتقار لوجود خطط بديلة و توقف التعليم بمراحله لأكثر من خمسة أشهر .
* الاعتماد على الحشو النظري في التعليم .
* الفجوة الكبيرة بين المقررات وبين عالم التقنية الشديد التطور .
* مخرجات المؤسسات التربوية لاتفي بسد الاحتياجات من القوى العاملة لاكماً ولا كيفاً .
* عدم وفاء الحيـاة المدرسـية بمتطلبات الحياة الاجتماعية ، والعكس .
فنظام جامد وغير مرن لا يربط بين مضمون التعليم واحتياجات المجتمع .
* قلة الجامعات ( سبع جامعات ) وبطء عملية الابتعاث .
الاستراتيجيات للمستقبل :
* التخطيط المسبق للأزمات يجعل بإيجاد حلول وبدائل للتعليم المباشر إلى التعليم الغير مباشر سواءً بتحويله مثل تعليم المنازل او عن بعد المهم إيجاد استرتيجية ومرونة تكفل بدائل للتعليم المباشر .
* العمل على تزويد الطلاب بتكنولوجيا العصر ومسايرة ثورة المعرفة والمعلومات .
* إيجاد مركز تعني بدراسة الخطط التربوية والإحصائيات اللازمة والتنبؤ بالوظائف الشاغرة ومحاولة ردم الهوة بين مؤسسات التعليم وميادين الحياة ومتطلباتها .
فلابد من حضور منهجية التخطيط الشامل وربط التربية بخطط والتنمية الاجتماعية الشاملة .
* الإغداق على التعليم وفتح أبواب الابتعاث ،
* التأكيد على الاتجاهات المستقبلية البعيدة المدى في مضمون التعليم .
2 - الجانب السياسي :
القصور الذي كشفت عنه الأزمة :
· الحاجة إلى قوات أجنبية .
· قصور الأنظمة اللازمة للخدمة العسكرية، الخدمة الاحتياطية ، والتعبئة، وفتح باب التطوّع
بدون التأهيل العسكري اللازم .
· الحاجة لمراكز دراسات وتنبؤات لشؤون المنطقة ومافيها من أحداث ومتغيرات .
أزمة الخليج حفرت جروحا غائرة في النفسية الجماعية للعرب ، وإنهيار الثقة المتبادلة بسبب تباين موقف حكوماتهم من الأزمة .
الاستراتيجيات للمستقبل :
· ضرورة أن يُعطى للقوات العسكرية الثقل المناسب لها.
وأن يكون توجُّهنا، في المقام الأول، إلى اعتمادنا على قوتنا الذاتية
· بناء قوات مسلحة محترفة، وإعداد قوات احتياطية مدرَّبة وجاهزة للاستدعاء، ووضْـع نظام تعبئة كفء وفعّال
· إنشاء مراكز للدراسات الإستراتيجية على غرار مركز الشرق الاوسط للدراسات الاستراتيجية واستقطاب الأكفاء له والاستفادة من رؤيتهم .
· زيادة التفاهم المحلي والإقليمي والدولي ,والتركيز على الجانب الدبلوماسي في إنشاء علاقات حميمة مع دول الجوار قبل غيرها.
· فتح قنوات الحوار التي من شأنها المحافظة على الكيان السياسي . ( على غرار مركز الحوار الوطني )
3 - الجانب الاجتماعي :
القصور الذي كشفت عنه الأزمة :
· عدم التهيئة لجوء الحرب المفاجئ للشعب السعودي ، شعب تعود على الأمن والرخاء فجأة ، سكود ، وباتريوت ، وصافرات إنذار إنها الحرب ..!! مما أدى إلى انتشار حالة من الرعب والفزع وانعكاس ذلك بكثير من التصرفات الخاطئة مثل : البكاء ، اللصق ، التخزين ..الخ .
· ظهور أنماط في الاستهلاك عند بعض الفئات من النّاس والحرص على الادخار للأطعمة .
· ظهور الطبقية في المجتمع السعودي .
الاستراتيجيات للمستقبل :
· التخطيط المسبق لمثل هذه الأزمات لمواجهة الصعوبات النفسية بالدورات ونشر الوعي النفسي . وعدم المبالغة في نشر الخوف .
· بث ثقافة اقتصاد الأزمات و الحرب ، في أوقات السلم ، والتذكير بها وقت الحرب .
· السعي الدؤب لتوفير العيش الكريم للمواطن ، ومحاربة الفقر
ودعم كل مامن شأنه تقليص هذه الطبقية .
4 - الجانب الاقتصادي :
القصور الذي كشفت عنه الأزمة :
· غياب كامل للرؤية الإستراتيجية الاقتصادية التي من شأنها أن تعبئ الطاقات في سبيل سدّ الاحتياجات الأساسية .
· وجود كم هائل من العمالة الأجنبية واحتكارها للسلع واستغلال الأزمة في رفع الاسعار ، بل اعطاء البعض ( كالعمالة اليمنية )ميزة الإقامة الحرة والاستثمار المفتوح . رغم ذلك خرجت تاركة فراغاً كبيرا .
· الاعتماد الكبير على مدخلات النفط .
· سببت الأزمة بتكاليفها الباهضة تآكلا للمخزون الاقتصادي وتبعات ضخمة .
توقف بعض الاستثمارات ، وهجرة رؤوس الأموال
الاستراتيجيات للمستقبل :
· التخطيط المستقبلي للاعتماد على الذات ، الإسراف في عملية التنمية الاقتصادية وإنشاء أكثر من مدينة صناعية على غرار الجبيل وينبع ، ومحاولة توطين الصناعات و تحقيق الكفاية الإنتاجية.
· الحد من وجود هذه العمالة ، وتعويد المجتمع القيام بمهامه فيما لايحتاج الى مهاراة .والمضي قدما وبصدق في سعودة الوظائف .
· تنوع الدخل الاقتصادي يسهم في تجاوز الأزمات فلابد من تطوير المجال الصناعي ، والزراعي ، والتجاري ...وغيرها
· إيجاد ضمانات للمستثمرين .
5 - الجانب الثقافي :
القصور الذي كشفت عنه الأزمة :
· لم يستطع الإعلام مواكبة الأزمة مما دفع بالمواطن للبحث عن مصدر إعلامي خارجي ليعطيه المعلومات والأخبار بشفافية وحداثة .
· ظهور أكاذيب إعلامية مضللة ترفع رايات سوداء لا تزيد العالم الإسلامي إلا فتنة وشتاتاً فسمعنا ( أم المعارك ، والجهاد المقدس ، ودخول الأجانب لمكة والمدينة ) وغيرها من الشائعات .
· التعارض في الأفكار ومثال ذلك ( خروج مظاهرة للمطالبة بقيادة المرأة ) في جو مشحون بالتوتر .
الاستراتيجيات للمستقبل :
· التخطيط لبناء اعلام محلي ينطلق من منطلقات صحيحة تؤكد على قدرتنا على استيعاب الأحداث ومعالجتها بموضوعية وبطرق علمية نكسب بها احترام الآخرين.
· إبراز صوت المفكرين والمثقفين الذين يرشدون الأمة ويردونها إلى جادة الصواب ويبينون لها الحقائق .
· فتح الأندية ومراكز الحوار التي من شأنها الإسهام في الانسجام بين أفراد المجتمع وتقارب وجهات النظر . *و إنشاء مراكز للبحث العملي التي من شأنها الرقي بالتنمية الثقافية ورفع مستواها
· التأكيد على أهمية التنمية الثقافية والقيمية لتعزيز قيم : العمل، العلم، الطموح، الإنجاز، قيمة المهن، وغير ذلك من القيم التي تصب في مجال التعزيز الإيجابي للوجود الحضاري.
هذا ووفق الله بلادنا ، وكافة بلاد المسلمين لكلّ خير ، وصرف عنها كلّ شر .. اللهمّ آمين
سعود سعد الجابري
11 / 6 /2012 م
=======
ثبت المراجع :-
· الطيب ، أحمد محمد (1999م) . التخطيط التربوي ، الطبعة الأولى ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية .
· البوهي، فاروق شوقي . التخطيط التربوي :عملياته ومدخلا ته وارتباطه بالتنمية والدور المتغير للمعلم ، دار المعرفة الجامعية .الإسكندرية .
· فهمي، محمد سيف الدين (2000م) . التخطيط التعليمي : أسسه وأساليبه ومشكلاته ، مكتبة الأنجو المصرية ، القاهرة .
· أحمد ، محمد جاد (2008م) . التجديد التربوي في التعليم قبل الجامعي ، الطبعة الأولى ، مكتبة العلم والإيمان ، الإسكندرية .
· غنيمة ، محمد متولي (1996م) . الوضع الراهن واحتمالات المستقبل ، مكتبة الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة .
· سعيد ، محمد السيد (1992م) . مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة ، الكويت .
· يماني ، محمد عبده (1992م ). وكشفت أزمة الخليج عوراتنا ، الطبعة الأولى ، سلسلة الكتاب العربي السعودي ، مكتبة تهامة ، المملكة العربية السعودية.
· ال سعود ، خالد بن سلطان بن عبد العزيز ، محاضرة (1995م ). أسئلة تبحث عن إجابات ، محاضرات صاحب السموّ الملكي الفريق الأول الركن الأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، في المعاهد والمنشآت التعليمية، على الرابط التالي :
http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Kaled1/MOHADRAT/Arabic/sec11.doc_cvt.htm
· وطفة ، علي أسعد. اشكالية الإصلاح التربوي في الوطن العربي :تحديات وتطلعات مستقبلية ،مقال على الرابط التالي :
